سليمان بن موسى الكلاعي

595

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وفد تجيب « 1 » وقدم على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وفد تجيب ، وهم من السكون ، ثلاثة عشر رجلا ، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم ، فسر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم ، وقالوا : يا رسول الله ، سقنا إليك حق الله تعالى في أموالنا . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ردوها ، فاقسموها على فقرائكم » . فقالوا : يا رسول الله ، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ما وفد علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هؤلاء الحي من تجيب . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان » . وسألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أشياء ، فكتب لهم بها ، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن ، فازداد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رغبة فيهم ، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم . فأقاموا أياما ، ولم يطيلوا اللبث ، فقيل لهم : ما يعجلكم ؟ فقالوا : نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكلامنا إياه ، وما رد علينا . ثم جاؤوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يودعونه ، فأرسل إليهم بلالا ، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود . قال : « هل بقي منكم أحد » ؟ قالوا : غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا ، قال : « أرسلوه إلينا » . فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاقض حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا منه . وودعناه . فأقبل الغلام حتى اتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني امرؤ من بنى أبذى . قال الواقدي : هو أبذى بن عدي ، وأم عدى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج ، وإليها ينسبون يقول الغلام : من الرهط الذين أتوك آنفا ، فقضيت حوائجهم ، فاقض حاجتي يا رسول الله . « وما حاجتك ؟ » قال : إن حاجتي ليست بحاجة أصحابي ، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام ، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم ، وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ، وأن يرحمني ، وأن يجعل غناي في قلبي . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأقبل إلى الغلام : « اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه » . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه . فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ، ثم وافوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر ،

--> ( 1 ) راجع قدوم وفد تجيب في : طبقات ابن سعد ( 1 / 2 / 60 ) ، البداية والنهاية ( 4 / 84 ) ، المنتظم لابن الجوزي ( 3 / 354 ) .